السيد محمد باقر الصدر

419

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

ونكتفي الآن بالإشارة إلى أنّ من أهمّ الفوارق التي تتميّز بها تلك الدرجات الموضوعية للتصديق ، والتي تتمتّع بالبداهة والعطاء المباشر عن الدرجات الذاتية التي يصطنعها التصديق الذاتي المنحرف ، أنّ كلّ درجة من تلك الدرجات الموضوعية للتصديق لا تتعارض مع سائر الدرجات الموضوعية للتصديقات الأخرى ، أي أنّ مجموعة الدرجات الموضوعية المعطاة بصورة أوّلية يجب أن لا يكون بينها تناقض . وأيّ مجموعة لوحظ التناقض بين الدرجات المختلفة المحدّدة ضمنها ، فإنّ هذا التناقض يبرهن على أنّ هذه المجموعة قد اندسّت فيها درجات ذاتية للتصديق ، وأنّ هذا هو سبب التناقض . ومن هنا كان أحد أساليب الكشف عن عدم كون درجة معيّنة للتصديق درجة موضوعية أوّلية - أي معطاة عطاءً مباشراً - إثبات أنّها تناقض درجات أخرى للتصديق الموضوعي لا يمكن التنازل عن موضوعيّتها . ففي مثال المكتبة - المتقدّم - حينما كنّا نواجه شخصاً يجزم بأنّ الكتاب الذي نحاول أن نشتريه ليس هو الكتاب الناقص ، أمكننا أن نبرهن له على أنّ هذه الدرجة من التصديق التي يعيشها ، ذاتية وليست موضوعية ، وإذا طالبناه بالطريقة التي استنبط بها هذه الدرجة من درجات تصديق سابقة ، وكيف برهن عليها ، فزعم أنّها درجة أوّلية ومعطاة عطاء مباشراً وليست مستنبطة ، أمكننا أن ندحض ذلك بإبراز تناقضها مع تصديقات أخرى موضوعية لا يمكنه التنازل عنها ، وهي تصديقه بأنّ هناك كتاباً واحداً ناقصاً في مجموعة الكتب ، وتصديقه بأنّ المجموعة تحتوي على مائة ألف ، وتضمّ هذا الكتاب الذي نحاول أن نشتريه نفسه ، وتصديقه بأ نّا لا نملك أيّ فكرة عن تعيين ذلك الكتاب الناقص . فإذا كان هذا الشخص يجزم بأنّ أيّ كتاب نحاول أن نشتريه ليس ناقصاً ، فهذا يناقض تصديقه بأنّ هناك كتاباً واحداً ناقصاً في المجموعة ، وإذا كان جزمه بعدم النقصان يختصّ